الشيخ محمد رشيد رضا

227

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

الفرق بين المعجزة والكرامة ان اللّه تعالى لم يؤيد رسله بما أيدهم به من المعجزات الا لتكون حجة لهم على أقوامهم يهدي بها المستعد للهداية ، وتحق بها الكلمة على الجاحدين المعاندين فتقع عليهم العقوبة ، وذلك لا يكون إلا باظهارها فهو واجب لاتمام تبليغ الدعوة التي أرسلوا لتبليغها ، وما كان الأنبياء يدعون اللّه تعالى بشيء من خوارق العادات غير حجة الرسالة إلا لضرورة كالاستسقاء وكان خاتمهم وأكرمهم على اللّه تعالى يصير هو وأهل بيته وأصحابه على المرض والجوع والعطش ولا يدعو لهم صلّى اللّه عليه وسلّم بما يزيل ذلك الا نادرا ، وقد سألته المرأة التي كانت تصرع أن يدعو اللّه لها بالشفاء فأرشدها إلى أن الصبر على مصيبتها خير لها . فشكت اليه أنها تتكشف عند النوبة وأن يدعو لها ألا تتكشف فدعا لها واستجاب اللّه دعاءه والأصل في الكرامة الاخفاء والكتمان ، وكثيرا ما يكون ظهورها فتنة للناس ، وما كان أهلها يظهرون ما لهم كسب فيه منها كالمكاشفة إلا لضرورة ، وقد صرح بهذا العلماء والصوفية فهو متفق عليه بينهم خلافا للمشهور بين العامة قال التاج السبكي في سياق حجج منكري جواز وقوع الكرامات من طبقات الشافعية ( الحجة الثانية ) قالوا لو جازت الكرامة لاشتبهت بالمعجزة ، فلا تدل المعجزة على ثبوت النبوة . والجواب منع الاشتباه بقرن المعجزة بدعوى النبوة دون الكرامة فهي انما تقترن بكمال اتباع النبي من الولي - وأيضا فالمعجزة يجب على صاحبها الاشتهار ، والكرامة مبناها على الاخفاء ، ولا تظهر إلا على الندرة والخصوص ، لا على الكثرة والعموم ، وأيضا فالمعجزة يجوز أن تقع بجميع خوارق العادات ، والكرامة تختص ببعضها كما بيناه من كلام القشيري وهو الصحيح اه ثم قال ( الحجة الرابعة ) قالوا لو جاز ظهور خوارق العادات على أيدي الصالحين لما أمكن أن يستدل على نبوة الأنبياء بظهورها على أيديهم لجواز أن تظهر على يد الولي سرا فان من أصول معظم جماعتكم أن الأولياء لا يظهرون الكرامات ولا يدعون بها ، وإنما تظهر سرا وراء ستور ، ويتحصص بالاطلاع عليها آحاد الناس ،